التنمُّر! انتحارُ الضحية أو موتٌ مُحَقّق على يدِ الجاني!

قيل أن لكل مَقامٍ مَقال وهذا المَقام مَقالُه لا يحتاج لاستهلالٍ إنشائي، خصوصاً بعد أن لَقِي طفلٌ بالمرحلة الإعدادية مَصرَعَه أمام عيني أُمِه بطعناتٍ تلقّاها من مجموعةِ مُتَنَمِرين بمحاذاةِ بوابة مدرسته، والذين كانوا قد مارسوا عليه التنمُّر لمدةِ عامٍ كامل دون تَدَخُلٍ مباشر من أساتذة المدرسة، ودون إجراءٍ صارم من العائلة لمنع الأذى عنه، إلى أن مدُّوا بأيديهم قابضين روحَه على مرأى ومسمع والدته وأمام حرم المدرسة.
وبُعَيد انتحار فتاةٍ في التاسعة من عمرها كانت قد عانت التنمُّر من قِبَل زميلاتها في الفصل ناعتين إياها بقبيحةٍ لا تستحق الحياة.

فكيف نحمي أبناءنا شر عاقبة التنمُّر؟

نحتاجُ أولاً لفهم ماهية التنمُّر وأشكاله، ونحتاج أيضاً لأن نعي وندرك ما هي أسبابه، حتى نتمكن من معالجتها ونتفادى أثرها من خلال تربية أبنائنا تربية تحصن شخصياتهم، وتحميهم من أن يكونوا ضحية للتنمُّر أو حتى اليد الجانية فيه.

تعريف التنمُّر!

التنمُّر هو تعدٍ لفظيٍ أو جسديٍ على شخصٍ ما، بِغِية شعور المُتَنَمِر بالسيادة والسلطة وأنه أعلى درجة من المجني عليه حيث يراه ضعيفاً، ممزقاً، مكسور النفس، قليل الحيلة! لا يستطيع الرد.

يَنبذُ المُتَنَمِرُ ضحيته بالألقابِ المُهينة، يُلقيها على مَسمَعه أمام الجميع مُستضعفاً إياه، وإن لزمه الأمر أن يُثبت عِليَتَه عليه سيعتدي على الضحية جسدياً، كل ما يرغب الجاني به أن يظهر مَظهَر القوي لافتاً انتباه من حوله منتزعاً اهتمام الجميع. يعتقد بأنه إن كان قوياً مُهاباً سيهتم الكلُ لأمرِه ويتقرب منه ويصبح ذا شعبيةٍ فيُشبِع رغبته نشوة وانتصار ويتأكد من قوته وسلطته.

فلماذا يسعى المُتَنَمِرُ للظهورِ بمظهرِ القوي وما الذي يدفعه لارتكاب التنمُّر؟

يرغبُ المُتَنَمِرُ بالشعور بأنه مَلحُوظ أي أنه يَشُك بوجودِه في نفوسِ الآخرين! شخصية ضعيفة يُرَقِعها بمشاعرٍ لحظية يشعر بها حين يُهين ويستحقر ضحيته! خصوصاً لو لقي فِعلُه استحسان من أقرانه كالضحك على إهانته للضحية، فقد يكن تنمُّره على شكل سخرياتٍ يسخرُ بها من زميلٍ له فيضحك باقي الزملاء على الضحية. إن تفاعلهم مع المشهد الذي مثله كان بالنسبة له هو الشيء المنشود. بِضَحِكِهم أعطوه ما يريد، أعطوه انتباههم، أعطوه ثناءهم، أعطوه الوجود الذي يسعى.

قد ينمو في نفسِ الجاني أن الضحيةَ أفضلُ منه، فتدفع به الغيرة للتنمُّر حتى يشعر هو نفسُه ويشعر من حوله أنه الأفضل!

وقد يكن الجاني نفسُه ضحيةً للتنمُّر على يد مُتَنَمِرٍ آخر

فيقوم بدوره بالتنمُّر على من يستشعر أنهم أضعف منه ليشفي غليله وحقده على من تنمّر عليه، أي أنه يُداوي جروحه، ولكن للأسف فهو يجرح آخرين قد يصل بهم الحال إلى الانتحار وإنهاء حياتهم بأيديهم، أو أنهم قد يصبحوا هم أيضاً مُتَنَمِرين، يداوون قُوَتَهُم وثِقتهم بأنفسِهم ووجودهم بالتنمُّر على ضحايا آخرين.

للتنمُّر آثارٌ نفسية تُلحق بالطرفين، الجاني والضحية

فالجاني سيتمادى في كل مرةٍ لا يجد فيها من يردعه ويستمر بمضايقاته، بل ويتفنن بها أيضاً حيث أن الشعورَ بالنشوة أصبح معتاداً بالنسبة له وبالطبع يرغب بالاستزادة منه، وقد يستمر تَنَمُره بالتطور سلباً إلى حدِ ارتكابِ الجريمة، فبعضهم يقوم بالتحرش وقد يصل للاعتداء الجنسي الكامل، وبعضهم يصل به الحال الى ارتكاب جريمةِ القتل بحقِ الضحية.

أما الضررُ النفسي الذي يقع على الضحية فيتفاوتُ نسبياً حسب مدى القدرة على التحمل، حيث تختلف الثقة بالنفس من شخص إلى آخر. البعض يستطيعُ الدفاع عن نفسه والبعضُ يُراكمُ مواقفَ التنمُّر ويضعها صفحةً أخرى في ذاكرته، منهم من ينسى ومنهم من يُعِيد شريط ذكرياته مع كل موقفٍ آخر، منهم من يتعافى بالكلام عن الأمر مع أحبتهم ومنهم من لا يشاركونها حتى مع أقرب المقربين، ليصبح على صدورِهم هُموم وثِقل يؤدي بهم لمشاكلٍ نفسية كالرهاب والعزلة والقلق والاكتئاب وقد يودي بهم للانتحار.

فكم من مُتَنَمِرٍ قابلتَ في حياتك؟ وهل مُورِسَ عليك التنمُّر؟ أم أنك أنت من تُمارسه؟

تعددت أشكالُ التنمُّر، فهو سلوكٌ مكتسب اكتسبناه بنسبٍ مختلفة عبر سنينِ حياتنا، فنَتَنَمّر على من هم أضعف منا انتقاماً ممن كانوا أقوى منا فَتَنَمّرُوا علينا وهكذا تدورُ الساقية.

بلا استثناء وأُجزم أن كل فردٍ فينا كان ضحية للتنمُّر في أحد مراحل عمره، بدايةً من البيت الصغير ذي الأحضان الدافئة إلى البيتِ الكبير حيث التربية والتعليم إلى بيتٍ أكبر حيث مكان العمل ومنه إلى العالمِ الصغير حيث المجتمع انطلاقاً إلى العالمِ الواسع حيث الدول، كل منهم يَتَنَمّر على من هو أضعف منه.

كنا صغاراً لا حول لنا ولا قوة! علمونا أن نحترم الكبير وأن نَعطِفَ على الصغير! للأسف زرعوا فينا الخوف! وقلة الثقة! شككونا في وجودِنا! فلا أم بحنانٍ نصحت ولا أب بحضنٍ وجه ولا معلم بحكمةٍ علم ولا مدير بأدبٍ تحدث، ولا مجتمع باحترامٍ احتوى ولا دول بتفاهمٍ تعاملت، اشتركوا جميعاً بالتخويف، تَنَمّرُوا علينا فهم أقوى منا.

نشأنا جيلاً خائفاً! نخشى حتى الكلام فقد نتلفظ بكلمةٍ يعتبرها الكِبار مُهينة، فَنَتَلَقَى وعدنا من أمٍ وأبٍ ومعلمٍ ومديرٍ ومجتمعٍ وحتى دولة! غاراتٍ من الإهانات والتصغير والتحقير.

شعرنا أننا ضَعيفي الشخصية! مُنعدمي الثقة بالنفس! شعرنا كم نحن صِغار! تُرى ماذا سنفعل لما نكبُر؟؟

كيف نُربي أبناءنا وفينا كل هذا الخوف، وفينا كل هذا الحقد، وفينا كل هذا الغضب؟! حانت الفرصة الآن لِنَلفُظَهُ في وجوههم فهم أضعف منا، لنمارس ما مُورِسَ علينا، ويبقى التنمُّر ميراثاً نتداوله سنين وسنيناً.

كان هذا سيناريو نشأة التنمُّر وتَغَلغُلِه فينا منذُ البداية، حتى أصبح في الوقت الحالي مشكلةً عالمية تواجهُ الجميع صغيراً وكبيراً، وإن لم نعمل حالاً على مُعالَجَتِها سنرى شخصيةَ الجوكر بقوافلٍ تمشي بيننا حقيقةً لا أفلام سينما!

فكيف سنتخلصُ من ميراثِ التنمُّر! وكيف نعالجُ الجاني والضحية؟ هذا ما ستقرأه في المدونة القادمة. من هنا

مدونة بقلم – عهود القيشاوي

اضغط الرابط لتقرأ عن الكاتبة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑